الشيخ محمد رشيد رضا
255
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يده في تراب قبره فأخرج منه صحفة فيها كروش غنم مطبوخة وهي محشوة بالرز واللحم والصنوبر ، فأكلوا منها فإذا هي حارة ، وقد استطابها الرجل الغريب جدا حتى توهم انها ليست من طعام الدنيا . ولا أذكر أكان اختيار هذه الأكلة وإخراجها باقتراح الرجل نفسه أم باقتراح غيره وانما أظن ظنا قويا انها اقترحت قال محدثي : وسر هذه المسألة ان والدي أمر قبل خروجه بأن تطبخ عندنا هذه الكروش ويأخذها أحد الخدم أو المريدين ( الشك مني ) فيدفنها في ذلك القبر في صحفة مغطاة بحيث تبقى سخنة ولا يصيبها تراب ، وانما فعل ذلك لاختبار الرجل وحمله إياه على مكاشفته بحقيقة ما يعمله من الغرائب في مقابلة اخباره إياه بسر هذه المسألة ، ولا أتذكر ما كان من أمرهما بعد ذلك فإنني سمعت هذه القصة في أوائل العهد بطلب العلم . فأمثال هذه الوقائع التي يعهدها الناس في كل زمان ويعلمون أن منها ما هو حيل أو صناعة تتلقى بالتعليم والتمرين - هي التي حملت بعض الناس على الشك والارتياب في آيات الأنبياء ، وبعضهم على تسميتها سحرا مبينا ، وبعضهم على التئبت فيها للتفرقة بين الحق والباطل ، وهو ما طلبه الحواريون لأجل تحصيل العلم اليقيني الذي تطمئن به قلوبهم وتقوم به حجتهم على غيرهم ، على ما اخترناه مع الجمهور من صحة ايمانهم قبل طلب المائدة ، أو لأجل تحصيل اليقين في الايمان بعد التسليم في الظاهر كما اختار الزمخشري وغيره ، ولهذه الحكمة جعل اللّه تعالى الآية الكبرى لرسالة خاتم رسله ( ص ) علمية حتى لا يبقى مجال لارتياب أحد من طلاب الحق المخلصين فيها . وهي اتيان رجل أمي عاش بين الأميين إلى سن الكهولة بكتاب فيه أعلى العلوم الإلهية والأدبية والاجتماعية والشرعية وأخبار الأمم والأنبياء السابقين الذين لم يقرأ هو ولا قومه عنهم شيئا وغير ذلك من أخبار الغيب التي ظهر صدقها في زمنه وبعد زمنه الخ الخ وأما قوله عليه السّلام « وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ » فمعناه وارزقنا منها أو من غيرها ما تتغذى به أجسامنا أيضا وأنت خير الرازقين ترزق من تشاء بحساب ، وترزق من تشاء بغير حساب . ومن محاسنه أنه أخر ذكر فائدة المائدة المادية عن ذكر فائدتها الدينية الروحية ، أو معناها وارزقنا الشكر عليها ، وربما يقويه إنذار اللّه من يكفر بعد إنزالها إذ قال :